هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم


فى هذه الأيام المباركة وبداية عام هجري جديد ، تمر بنا ذكرى هجرة الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة التي تمت في الثاني عشر من ربيع الأول بعد 13 ستة من بعثة النبي صلي الله عليه وسلم ، ذلك الحدث الذى كان نقطة تحول فارقة فى تاريخ الدعوة الإسلامية حيث انطلقت بعدها فى أرض الله الواسعة كما كانت بداية إرساء دعائم الدولة الإسلامية بالمدينة المنورة التي آخى فيها الرسول صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار فى تكافل اجتماعي غير مسبوق فى التاريخ وليس له نظير حتى الآن .كما وقع صلى الله عليه وسلم معاهدة مع يهود المدينة هي أقدم وثيقة عرفها التاريخ الإنساني أقرت حقوق المواطنة وأرست دعائم حقوق الإنسان ونصت على المسلمين واليهود أمة واحدة دون تفرقة أو تمييز هذا السبق الحضاري للإسلام الذى سبق به كل منظمات العالم المعنية لحقوق الإنسان هو خير رد على الحاقدين على الإسلام والمشوهين له والكارهين لعقائده وشرائعه ..هذه الأمور وغيرها يجب أن يركز عليها المسلمون وهم يستلهمون هذه الذكرى ويأخذون من دروسها العبرة والعظة والدفعة لإصلاح أحوالهم والنهوض بمجتمعاتهم وتأكيد أنهم أمة محترمة لها تاريخ وحضارة ودور فاعل فى صياغة مستقبل العالم وازدهاره ، وحتى يحققوا ذلك عليهم أن يتحركوا ويعملوا بكل جد متخذين العبرة والقدوة من رسولهم الكريم صلى الله عليه وسلم وتخطيطه المحكم وأخذه بالأسباب فى الهجرة ومواجهة الشرك وبناء الدولة

وقد عرف التاريخ الإنساني هجرات كثيرة للأنبياء فقد هاجر إبراهيم عليه السلام لرفع قواعد البيت وإعداده وجعله مثابة للناس وأمنا وهاجر لوط كما جاء فى قوله تعالى ، فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربى ،وهاجر موسى عليه السلام إلى مجمع البحرين بأمر الله عز وجل ليتعلم من الخضر كما هاجر إلى مدين ، وقد أمر الله تعالى الناس بالهجرة ومفارقة الوطن بحثا عن سعة الرزق والحرية أو لطلب العلم أو الأمن أو النصرة قال تعالى ، إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين فى الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا، فهذا الحوار الذى سيدور بين المستضعفين فى الأرض وبين الملائكة يوم القيامة يفيد أن الله لا يرضى عن العجز ولا يعذر عن الضعف والتواكل ،ولو أن الله عز وجل يقبل تبرير الضعفاء لأنفسهم لما حاسبهم يوم القيامة بل على العكس من ذلك يرفض الله هذا التبرير ويحث على التغيير الذى لابد أن يبدأ من داخل النفس يقول تعالي : إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ، وللأسف فإن المسلمين قد تخلفوا عن إدراك هذه المعاني السامية فرضوا بالتخلف وبخلوا بأنفسهم وكأنهم يتعلقون بنصر يأتيهم من السماء دون كلفة وتعب ،وكان الأجدى أن يعملوا ويطوروا من حياتهم
الهجرة تخطيط وإعلان للدعوة وبها أصبحت يثرب نموذجا حيا للمدينة الغاضلة



تعتبر الهجرة النبوية هي أعظم حدث فى تاريخ البشرية لأن بها تم انتصار الحق على الباطل وكلل الله تضحيات المسلمين الأوائل بالنصر المبين .وكان من نتائجها انتشار الإسلام بين العرب أولا ثم فى باقى ربوع العالم بعد ذلك ،وكانت الهجرة عملا استراتيجيا حاسما فى تاريخ الإسلام فمكة لم تكن تصلح أن تكون حاضنة للإسلام فى مراحله الأولى وعاصمة روحانية له وللمسلمين فى مشارق الأرض ومغاربها لذلك لم يفكر النبى أن ينقل الدولة من المدينة إلى مكة بعد الفتح إذ ما كان للدولة الإسلامية أن تعلن فى بيئة قبلية معزولة ومغلقة مثل مكة بل كان الأمر يتطلب بيئة حضارية مثل المدينة قريبة من دول ذات حضارة وتتوسط الطرق التجارية


الإعلان عن الدعوة

لم تكن الهجرة تعنى فرار الرسول صلى الله عليه وسلم أو الصحابة بأنفسهم من قسوة تعذيب مشركى مكة ولكن كانت إقامة الدولة الإسلامية هي الشاغل الأول للرسول على الرغم من أنه لم يصرح بذلك فى الفترة المكية ،وكانت الهجرة عملا لتوسيع رقعة الإسلام وتكثير عدد المسلمين وإحداث نوع من الإعلان والإعلام عن هذه الدعوة المباركة وقد سبقت الهجرة للمدينة هجرات أخرى للحبشة والطائف ولكن تبقى هجرة المدينة هى المعلم الرئيسى فى تاريخ الإسلام وقد سبقت بإعداد لم يسبق لأحد تصوره وكان الرسول هو المهندس والمخطط لهذه الرحلة الربانية التاريخية التي صارت بموكب النور من مكة للمدينة فقبلها اتصل النبى بالقبائل العربية فى مواسم الحج ليخبرهم بشأن دعوته ويطلب منهم النصرة . وجاءت بيعة العقبة الأولى بشئ من الأمل والتغيير إذ هيأ الله بها الخميرة الصالحة والتربة الخصبة لانتشار الإسلام على أيدي الأنصار ،وجاءت بيعة العقبة الثانية لتقرر وجوب السمع والطاعة للرسول صلى الله عليه وسلم فى المنشط والمكره والنفقة فى العسر واليسر وعلى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، وقول الحق وعلى أن ينصره أهل يثرب ويمنعوه إذا قدم عليهم مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم ،فكان هو العهد الأول الذى جاء لينص على حماية الإسلام والدفاع عن الرسول ودعوته


وثيقة المدينة

عندما بايع الأنصار النبي على النصرة لم يدخلوا اليهود فى حساباتهم عسكريا أو كقوة بالمدينة يخشى منها وفى هذا إشارة إلى أن اليهود لم يكونوا يشكلون تيارا سياسيا أو داخل المدينة ، بل التجارة وكسب المال ولذلك لم يظهروا كجبهة رفض لهجرة النبى إلى يثرب ،ومع ذلك فإن النبى لم يهمل اليهود أو يتجنبهم بل إنه على الفور أبرم معاهدة معهم ،ولأول مرة فى التاريخ السياسى أو الدينى يحدث مثل هذا الأمر واعتبرت وثيقة المدينة اليهود أمة واحدة مع المسلمين ،ولم تلزمهم بأية نفقات أو تبعات عن الدفاع عن المدينة فى الداخل ،وأرسى لأول مرة فى التاريخ أيضا دعائم القوة الإيمانية بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار ،وما فعله الأنصار يتعدى بكثير ما تصوره بعض الفلاسفة قديما عن المدينة الفاضلة ، ويكفى قراءة قوله تعالى فى شأن الأنصار وما ضربوه من أروع الأمثال فى الحب والإيثار والتضحية من أجل نصرة الإسلام قال تعالى ،والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون فى صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على .،أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون


تصور الهجرة النبوية بداية تأسيس مرحلة جديدة فى عالم الإسلام تمثل انتصاره ، فقد هاجر النبى لمجتمع جديد سبقه إليه أصحابه فبدأت الدولة الإسلامية تتكون من القائد ممثلا فى الرسول صلى الله عليه وسلم والجمهور ممثلا فى المسلمين والدستور ممثلا فى القرآن الكريم ، وبدأ المجتمع الجديد يؤتى ثماره مع انطلاق تأسيس النبى لدولة الإسلام فى المدينة ،ومن هنا فحينما فكر الصحابة رضوان الله عليهم أن يتخذوا تاريخا لهم مقابل التاريخ الميلادي وجدوا فى الهجرة بداية لهذا التاريخ لأنها تعنى الميلاد الجديد للإسلام وانطلاق الدعوة الإسلامية إلى العالم شرقا وغربا .، ومثلت الهجرة النبوية بما كان فيها من استعدادات ومعان سامية وحقائق تؤكد عددا من النتائج التي يجب استدعاؤها باستمرار واتخاذها نبراسا لإصلاح حال المسلمين ، وفى مقدمتها عدم الاستجابة للظلم والثورة عليه والتمرد على الظالمين ،والتطلع للمستقبل وعدم الاستجابة للظروف القاهرة والركون للضعف الذى حذر منه المولى عز وجل فى آيات سورة النساء ،مما يعنى أن الهجرة باقية حتى اليوم وأنها فرض عين على كل مسلم ومسلمة فهى لا تعنى فقط مجرد الخروج من مكة للمدينة ولكنها تعنى مقاومة الظلم والبعد عنه وتأسيس مجتمع جديد يقوم على العلم والتخطيط والأخذ بالأسباب وليس الركون إلى الإتكالية وإتباع الغير ،وهذا هو معنى الحديث النبوي ، لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية ،بمعنى أن الهجرة بمعناها الذى يفيد الخروج من مكة للمدينة قد أصبحت لاغية بعد الفتح الأكبر ،وتحولت للجهاد الذى هو فرض عين على كل مسلم ومسلمة وليس المقصود هنا الجهاد بالنفس فقط ضد أعداء الأمة وإنما بمعانيه المختلفة فى كافة مجالات الحياة لتحقيق عناصر النهوض بالأمة الإسلامية ودفعها لتأخذ مكانها الطبيعي بين الأمم وتحويل فكرة الهجرة لدماء جديدة تضخ فى الجسد الإسلامي وتدفعه للأمام وتنقذ الأمة من براثن الضياع الحالي .


الأخذ بالأسباب

وكانت الهجرة بعد أن كثر الإيذاء للمسلمين من المشركين ، أذن الله عز وجل لرسوله وأصحابه بالهجرة ،وفى هذا الإذن كانت هناك دروس وعبر ينبغي أن يتمسك بها المسلمون ،فمع مجيئ إذن الله لرسوله بالهجرة بدأ الرسول صلى الله عليه وسلم فى الإعداد لهذه الرحلة الشاقة وأراد الله عز وجل أن يعلم أمة الإسلام من خلال هجرة نبيه الكثير من المعاني التي تحمل فى طياتها كل أسباب الرقى والحضارة والتقدم إذا تم الأخذ بها ، فالنبى وهو المحفوظ من قبل ربه جل وعلا يعمل جاهدا على إعداد عدة السفر ليرسخ قاعدة ضرورة الإعداد للأمور والقضايا وعدم الانفلات والدخول فى أمور بغير رؤى واستعداد مسبق ،ثم يعمل على تأكيد قاعدة جديدة خلال الرحلة وهى ضرورة التخطيط الصحيح من أجل الوصول للهدف المنشود فيغير طريقه من الشمال للجنوب حتى يشتت انتباه المشركين ،ويؤسس للبناء الاجتماعي والارتباط الشديد بالوطن عندما وقف على ربوة عالية وقال قولته المعروفة ناظراً إلي مكة " والله إني لأعلم أنك أحب بلاد الله إلي الله وأحب بلاد الله إلى ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت"، ويضرب الرسول الكريم هنا أروع الأمثال فى حب الوطن والتفاني فى رفعته.


قواعد بناء المجتمع

بعد وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة قام ببناء المجتمع الجديد فى المدينة على ثلاثة أسس ينبغي وضعها كقواعد لبناء الأمة والمجتمع الإسلامي الصحيح ،وهى بناء المسجد النبوي وفى ذلك إشارة إلى أن أساس صلاح المجتمع هو الاتصال بالله وهو الذى يثرى ويؤكد اتصال الإنسان المسلم بخلق الله وتنظيم صلته بالناس ،والمؤاخاة التي ربط بها الرسول بين الصحابة كرباط إسلامي يفوق رباط الدم ليؤكد أن المجتمع لا يمكن أن يكون قويا إلا بالتعاون والتكاتف ،والمعاهدة التي أبرمها مع الطوائف اليهودية الثلاث بنو قريظة وبنو النضير وبنو قينقاع، والتي أقر عليهم فيها حقوقهم وجعلهم مع المسلمين أمة واحدة ،ولذلك فإن وثيقة المدينة تعتبر دستورا خالدا أكد أسبقية الإسلام لكافة القوانين والمواثيق الدولية فى إقرار حقوق الإنسان ولو استطلعت المنظمات الحقوقية الدولية دستور المدينة لاكتشفت عظمة هذا الدين الحنيف فى معاملة غير المسلمين وتعلمت الوسائل الراقية لحقوق الإنسان كما أقرها الإسلام .


انتصار لافرار

فى تاريخ الأمم أحداث تطرأ عليها ويكون لها أثر بالغ فى تطور حياتها وبقدر ما يكون لهذه الأحداث من أثر يكون شأنها وخطرها والمجتمعات لا يمكن أن تعيش فى ضعف أبدا ولا يمكن أن تحيا مغلوبة على أمرها ولأن الإسلام لا يرضى لأبنائه حياة الضعف والهوان كانت هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلقد مكث بمكة ثلاث عشرة سنة يدعو إلى الله على بصيرة ويهدى الناس إلى الحق ويمحو آثار الجاهلية ، وقد كانت الهجرة إلى المدينة فتحا ونصرا لدعوة الإسلام حيث أوجد الله لدعوة نبيه بيئة خصبة وجد فيها قلوبا مفتوحة لدعوة الحق وتكونت نواة الدولة المؤمنة المجاهدة والأمة المؤتلفة المتحابة التي لا تعرف عصبية لجنس أو لقبيلة فالجميع قد انصهر فى بوتقة واحدة وأصبحوا جسما واحدا وبناء متراصا متحدا يعمل كل فرد فيه لخير هذا المجتمع ولإعزاز هذا الدين وأحب أهل المدينة إخوانهم المهاجرين وأثرهم على أنفسهم وزكى القرآن حين قال ،والذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون فى صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق ،شح نفسه فأولئك هم المفلحون




عند إمعان النظر فى حادث الهجرة نجد أنها لم تكن فرارا من الموت أو طلبا للنجاة وإنما كانت انتقالا بالعقيدة من وطن كثر فيه الباغى وقل فيه الناصر إلى وطن آخر تأمن فيه على نفسها ويستطيع المؤمنون أن يجدوا تربة طيبة فيغرسوا فيها شجرة التوحيد فلم تكن الهجرة فرارا بل كانت انتصارا .وأقول للمسلمين إن سلفكم الصالح حينما أرادوا أن يجعلوا لأمتهم تاريخا استعرضوا أعظم ذكرياتهم حادثة حادثة فلم يجدوا إلا الهجرة بدءا للتاريخ ومفتتحا -لكل عام وجاء ذلك التكريم لأن رسول الله والمسلمين من حوله تركوا مصالحهم الخاصة من أجل رفع شأن العقيدة فكان هذا معناه أن الفرد لا يعيش لنفسه فحسب بل عليه أن يحيا لأمته ولدينه وأن يكافح من أجل ما تؤمن به الأمة من فضائل وما يحث عليه الدين من عزة وحرية وكرامة .

نساء في طريق الهجرة

هجرة المرسلين ليست كهجرة البشر ، ذلك أنها هجرة هدفها التمكين لدين الله تعالى بإرساء قواعده في الأرض لإعلاء شعائره إلى السماء ، وهي هجرة لا يقدم عليها الرسول إلا بإذن ربه ،

وكم فات هذا المعنى كثيراً من الباحثين فخلطوا حتى آذوا النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم هاجر خوفاً أو فراراً من الأعداء ، يقولون هذا وموسوعات السيرة النبوية بين أيديهم تقص عليهم حث الصديق رضي الله عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهاجر فيبين له الرسول صلى الله عليه وسلم أنه في انتظار أمر ربه . حتى أذن سبحانه فكانت الهجرة من أجل دين الله : فلم تكن لدنيا .. أو مال ...

واستوى - لهذا الأمر - رجال ونساء ، وما أكثر ما كان من حديث للرجال في الهجرة ربما كان سبباً في خفاء أمر نسوة كن على طريق الهجرة من قبل الهجرة ومن بعدها ، أديّن أدواراً غاية في الروعة والفداء والإيمان ، نسوة صَدقن أيضاً ما عاهدن الله عليه ، فلمعن في سماء الإسلام نجوماً باهرات لم يكن مثلهن في التاريخ ، ومن تلك النسوة

التمهيد للهجرة نسيبة بنت كعب المازنية ، وأم منيع أسماء بنت عمرو السلمية

بُعث النبي صلى الله عليه وسلم في مكة ، وأخذ يدعو قومه ، فأسلم منهم قليل ، وبسطت قريش أيديها وألسنتها بالسوء ، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يعرض نفسه على القبائل عله يجد من بينها ناصراً ، فلم يجد منها جميعاً أذناً صاغية ولا قلباً واعياً حي لقي في موسم الحج نفراً من الخزرج فعرض عليهم الإسلام وتلا عليهم القرآن فصدقوه وآمنوا به ، وقالوا : إنا تركنا قومنا ، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم ، وعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم وندعوهم إلى أمرك ، ونعرض عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين فإن يجمعهم الله إليه ، فلا رجل أعز منك ، ثم انصرفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بايعوه .

فلما عاد إلى المدينة المنورة أذاعوا بها الإسلام فأجاب داعيتهم خلق كثير ، حتى إذا كان موسم الحج من قابل ذلك العام ، خرج من المدينة ثلاثة وسبعون رجلاً وامرأتان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبايعوه ويؤتوه عهدهم وذمامهم أن يمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأهليهم ، فتوافدوا جميعاً إلى العقبة الثانية التي كانت النواة الأولى في لبنة الدولة الإسلامية ، وما يهمنا من أمر هذه البيعة هو ما كان من أمر المرأتين وهما :

نسيبة بنت كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو من بني النجار : وتكنى أم عمارة الأنصارية ، وهي زوج زيد بن عاصم الصحابي الجليل ، وكانت بطلة مجاهدة من أبطال الإسلام ، ويحفظ لها التاريخ وقفتها يوم أحد ، وهي تقاتل دون النبي صلى الله عليه وسلم حتى قال : [ ما التفت يمينا وشمالاً إلا وأنا أراها تقاتل دوني ] وقد جرحت ثلاثة عشر جرحاً ، والدم ينزف منها ، فنادى المصطفى صلى الله عليه وسلم ابنها عمارة قائلاً : [ أمك أمك أعصب جرحها ، بارك الله عليكم من أهل بيت ، مقام أمك خير من مقام فلان وفلان ] فلما سمعت أمه قالت : ادع الله أن نرافقك في الجنة، فقال : [ اللهم اجعلهم رفقائي في الجنة ] فقالت : ما أبالي ما أصابني من الدنيا .

ويحدث التاريخ عن موقفها في حروب الردة ومقاتلة مسيلمة الكذاب الذي قتل ابنها حبيب وقطعه قطعاً ، وشاركت في الحرب كأحد الأبطال الميامين حتى قطعت يدها ، فهذه المرأة وما اتصفت به من صفات تفوق الخيال كانت أولى المبايعات للنبي صلى الله عليه وسلم وامرأة بمثل هذه القوة والشجاعة لابد أن يكون لها في قومها رأي ومكانة ، ولابد أن يكون لها تأثير على نساء قومها ، الذين عرفوا فيما بعد الأنصار .

ب. أم منيع : أسماء بنت عمرو بن عدي بن نابي بن سواد بن سلمة ، وتعرف بأم منيع الأنصارية ، وهي أم معاذ بن جبل ، أحد الأئمة المعدودين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أسلمت حين تنفس صبح الإسلام بالمدينة المنورة ، قبل بيعة العقبة الثانية ، وجاءت مع وفد البيعة وكانت من أتم القوم عقلاً ، وأحكمهم رأياً ، ومن المشاركات في الجهاد في غزوة خيبر .

كلتا المرأتين كانت مثالاً في قومها للرأي والحكمة والعقل والشجاعة ، ولا بد أن يكون لذلك تأثير على من سواهما من نساء يثرب ، فقامتا مع الرجال بتعبئة الجو العام اليثربي وتهيئته للإسلام حتى كانت الهجرة فكان المجتمع اليثربي مستعداً لتكوين وتشييد وإقامة الدولة الإسلامية التي تكونت نواتها الأولى ببيعة العقبة .

طليعة الهجرة ليلى بنت أبي حثمة العدوية
هي ليلى بنت أبي حثمة بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن كعب بن لؤي القرشية العدوية ، زوج عامر بن ربيعة العنبري .

قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم كان زوجها مهيأ نفسياً لرؤية النبي صلى الله عليه وسلم والإيمان بدينه ، وذلك لأن زيد بن عمرو بن نفيل قال لعامر زوجها ، أنا أنتظر نبياً من ولد إسماعيل ، ثم من بنى عبد المطلب ، ولا أراني أدركه ، وأنا أومن به وأصدقه وأشهد أنه نبي ، فإن طالت بك مدة - يا عامر - ورأيته فأقرئه مني السلام.

وهكذا كانت ليلى مهيأة لقبول الدين الجديد ، لأنه زوجها كان يردد كثيراً قول زيد بن عمرو بن نفيل فلما سرى في مكة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو إلى الله الواحد الأحد أقبل عامر وليلى وأسلما ، وكانا في طليعة المهاجرين إلى الحبشة لما اشتد أذى قريش ، وقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم أخرجوا إلى أرض الحبشة فإن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد ، وهي أرض صدق تقول ليلى كان عمر بن الخطاب من أشد الناس علينا في إسلامنا ، فلما تهيأنا للخروج إلى أرض الحبشة ، جاءني عُمر وأنا على بعيري نريد أن نتوجه ، فقال : أين يا أم عبد الله ؟ - وهي أم عبد الله بن عامر ، وبه كانت تكنى – فقلت آذيتمونيا في ديننا ، فنذهب في أرض الله حيث لا نؤذى في عبادة الله ، فقال : صحبكم الله ، ثم ذهب فجاءني زوجي عامر بن ربيعة ، فأخبرته بما رأيت من رقة عمر ، فقال : ترجين أن يسلم ؟ فقلت نعم .. وهاجرت وهي وزوجها إلى الحبشة ، ولما علم المهاجرون بإسلام عمر عادوا أملاً في أن يكون فيه المنعة والحماية ، فلما اشتد أذى الكفار ، هاجرت ليلى وزوجها عامر مرة أخرى عائدة إلى الحبشة ، وعندما أذن النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين بالهجرة إلى يثرب وقال من أرد أن يخرج فليخرج إليها كانت ليلى بنت أبي حثمة ، هي أول امرأة هاجرت إلى المدينة ، فقد كان أول المهاجرين - أبو سلمة- ثم تبعه ، عامر بن ربيعة ، وزوجه ليلى وتعد أول ظعينة تهاجر إلى المدينة ، ويظن الكثير أن أول مهاجرة كانت أم سلمة ولكنها كانت ليلى وليست أم سلمة كما سيتضح من عرضنا لأم سلمة فيها بعد .
ولم تكن هجرة ليلى بنت أبي حثمة ، إلى يثرب -المدينة- مجرد انتقال من مكان إلى مكان ولكن كان لها دور إيجابي هي وباقي المهاجرات والمهاجرين في توطيد دعائم الدين الإسلامي في قلوب اليثربيات واليثربيين ، وليس أدل على ذلك مما رأيناه من خروج الأنصار والمهاجرين ونسائهم للقاء النبي صلى الله عليه وسلم بعد علمهم بهجرته المباركة
بداية الهجرة رقيقة بنت صيفي

هي رقيقة بنت صيفى وقيل بنت أبي صيفي بن هاشم بن عبد مناف بن قصي ، عمها عبد المطلب بن هاشم وكان أسن منه ، وتتصل رقيقة برسول الله صلى الله عليه وسلم في هاشم بن عبد مناف فهو جدها وجد أبيه ، ولما أدركها الإسلام كانت قد تطاول عليها القدم ، وجاوزت حد الهرم ، والتاريخ الإسلامي يحفظ لها وقفة مع الإسلام ، كثيراً ما يغفلها المؤرخون ، فلقد كانت ترقب ما يدور على الساحة من حولها وترى أن عدد المسلمين في ازدياد ، وكذلك عذاب المشركين يحمي وطيسه كلما أسلم مشرك ، وقد اجتمع كبار المشركين ليلاً ومعهم إبليس اللعين في صورة شيخ نجدي وانتهى أمرهم إلى أن يقتلوا النبي صلى الله عليه وسلم في داره ، بيد فتية ، من كل قبيلة فتى ليتوزع دمه صلى الله عليه وسلم في القبائل ، تلك المرأة المسنة - رقيقة - هي التي استشفت خبر قريس يوم ائتمروا بالنبي صلى الله عليه وسلم فذهبت العجوز تجر أثقالها حتى أنهت إلى النبي صلى الله عليه وسلم الخبر وحذرته من المبيت في داره وحدثته بحديث القوم الذي لا يعلمه إلا الله ثم هي ومن تآمروا عليه ، ذهبت العجوز التي أنافت على المائة ، لتنقل الخبر ولم تأمن على نقله ابنها مخرمة بن نوفل وهو من لحمة النبي صلى الله عليه وسلم وذوي صحبته ، ذلك لأن الشك فيها وهي العجوز المسنة مستبعد ، وما أطيب امرأة ، وأجل منزلتها أن ذهبت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل ما سبق به جبريل إليه على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام .
ولعل هناك من يقول : وأي عظمة تجدها امرأة سمعت خبراً فألقته كما سمعته ؟
ذلك قول من لم يستبطن الأمر ، ويتبين دخيلته ، فإن فئة قليلة العدد خطيرة الغرض ، من هامات القوم ، وأشداء فتيانهم ، بيتوا أمرهم واحتجزوا خبرهم عن بقيتهم ، والممالئين لهم ، وتعاهدوا وتعاقدوا ألا يذيعوه حتى يمضوه ، فئة ذلك شأنها وتلك غايتها ليس بالهين اليسير كشف أمرها والوقوف على ذوات نفوسها ، واستنقاذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من كيدها وشر عائلتها .

وتكون –رقيقة- مشاركة في أعظم حوادث الإسلام خطراً ، وأبقاها أثراً ، وأدومها على مر الدهور ذكراً ، وأقومها ببناء الإسلام ، وبنقلها خبر قريش يكون البدء الفعلي للهجرة .

ليست هناك تعليقات:

Related Posts Plugin for WordPress, Blogger...